محمد بن جرير الطبري

98

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله عز ذكره : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 ) } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات " ، وعد الله أيها الناس الذين صدّقوا الله ورسوله ، وأقرُّوا بما جاءهم به من عند ربهم ، وعملوا بما واثقهم الله به ، وأوفوا بالعقود التي عاقدَهم عليها بقولهم : " لنسمعن ولنطيعنَّ الله ورسوله " فسمعوا أمر الله ونهيه وأطاعوه ، فعملوا بما أمرهم الله به ، وانتهوا عما نهاهم عنه . ( 1 ) ويعني بقوله : " لهم مغفرة " لهؤلاء الذين وفوا بالعقود والميثاق الذي واثقهم به ربهم = " مغفرة " وهي ستر ذنوبهم السالفة منهم عليهم وتغطيتها بعفوه لهم عنها ، وتركه عقوبتهم عليها وفضيحتهم بها ( 2 ) = " وأجر عظيم " يقول : ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم ، جزاءً على أعمالهم التي عملوها ووفائهم بالعقود التي عاقدوا ربهم عليها = " أجر عظيم " ، و " العظيم " من خيره غير محدود مبلغه ، ولا يعرف منتهاه غيره تعالى ذكره . ( 3 ) * * * فإن قال قائل : إن الله جل ثناؤه أخبر في هذه الآية أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ولم يخبر بما وعدهم ، فأين الخبر عن الموعود ؟ قيل : بلى ( 4 ) إنه قد أخبَر عن الموعود ، والموعود هو قوله : " لهم مغفرة وأجر عظيم " .

--> ( 1 ) انظر تفسير " الصالحات " فيما سلف من فهارس اللغة . ( 2 ) انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة . ( 3 ) انظر تفسير " الأجر " و " عظيم " فيما سلف من فهارس اللغة . ( 4 ) " بلى " تكون جوابا للكلام الذي فيه الجحد كقوله : " ألست بربكم قالوا بلى " . هكذا قالوا ، وقال ابن هشام في المغنى في باب " بلى " : " ولكن وقع في كتب الحديث أنها يجاب بها الاستفهام المجرد ، ففي صحيح البخاري في كتاب الإيمان : أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه : أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ؟ قالوا : بلى = وفي صحيح مسلم في كتاب الهبة : أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء ؟ قال ، بلى ! قال ، فلا إذن = وفيه أيضا أنه قال ، أنت الذي لقيتني بمكة ؟ فقال له : بلى " . فمن أجل ذلك استعمله الطبري في جواب الاستفهام الذي لا جحد فيه ، فكأنه عد سؤال السائل جحدا لذكره في الآية ، فقال في جوابه " بلى " ، بمعنى : ليس ذلك كما تزعم ، وانظر ما سلف 2 : 280 ، 510 ، وما سيأتي في الأثر رقم : 11818 .